سيد محمد طنطاوي

66

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

« زنتا وزاعورا » وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز ، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة » « 1 » . والمعنى : أن لوطا - عليه السلام - لما رأى هيجان قومه ، وإصرارهم على ارتكاب الفاحشة مع ضيوفه ، قال لهم على سبيل الإرشاد إلى ما يشبع الفطرة السليمة : يا قوم هؤلاء نساؤكم اللائي هن بمنزلة بناتي ، فاقضوا معهن شهوتكم إن كنتم فاعلين لما أرشدكم إليه من توجيهات وآداب . وعبر بأن في قوله * ( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) * لشكه في استجابتهم لما يدعوهم إليه فكأنه يقول لهم : إن كنتم فاعلين لما أطلبه منكم ، وما أظنكم تفعلونه لانتكاس فطرتكم ، وانقلاب أمزجتكم . . وجواب الشرط محذوف ، أي : إن كنتم فاعلين ما أرشدكم إليه فهو خير لكم . وقوله - سبحانه - : * ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * يرى جمهور المفسرين أنه كلام معترض بين أجزاء قصة لوط - عليه السلام - مع قومه ، لبيان أن الموعظة لا تجدى مع القوم الغاوين ، ولتسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من سفهاء قومه . فالخطاب فيه للنبي صلى اللَّه عليه وسلم واللام في « لعمرك » لام القسم ، والمقسم به حياته صلى اللَّه عليه وسلم والعمر - بفتح العين - لغة في العمر - بضمها ، ومعناهما : مدة حياة الإنسان وبقائه في هذه الدنيا ، إلا أنهم ألزموا مفتوح العين في القسم ، وهو مبتدأ وخبره محذوف وجوبا والتقدير لعمرك قسمي أو يميني . والسكرة : ذهاب العقل ، مأخوذة من السكر - بفتح السين وإسكان الكاف - وهو السد والإغلاق . وأطلقت هنا على الغواية والضلالة لإزالتهما الرشد والهداية عن عقل الإنسان و * ( يَعْمَهُونَ ) * من العمة بمعنى التحير والتردد في الأمر . وهو للبصيرة بمنزلة العمى للبصر . يقال : عمه فلان - كفرح - عمها ، إذا تردد وتحير ، فهو عمه وعامه ، وهم عمهون وعمه - كركع - والمعنى : بحق حياتك - أيها الرسول الكريم - إن هؤلاء المكذبين لك ، لفي غفلتهم وغوايتهم يترددون ويتحيرون ، شأنهم في ذلك شأن الضالين من قبلهم كقوم لوط وقوم شعيب وقوم صالح ، وغيرهم من المتكبرين في الأرض بغير الحق . .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 32 .